Make your own free website on Tripod.com

في الحرية الفكرية

تاريخ دار الإسلام القديم يمتد لأكثر من ألف وأربعمئة عام, ويخلو تماما من كتاب واحد حول الحرية, وتاريخ العرب الحديث يخلو أيضاً من كتاب واحد عن الحرية يعتمد كلياً على مصادر فكرية عربية. ودار العرب القديم والحديث يقدم الشواهد الواحد تلو الآخر على أن الحرية ليست من القيم الإنسانية التي تسود حياة العرب والمسلمين, ولذلك جاءت القوانين العربية »المنظمة« لممارسة الحرية, مناقضة للحرية ذاتها, بتعابير عجائبية مثل الحرية المسؤولة, وهو تعبير يمكن النظام السياسي من ممارسة الاستبداد من خلال القانون كما هو الحال عندنا. وهذه الحالة ليست نبتاً برياً, أو شيئاً نزل إلينا من الفضاء, إنه واقع حياتنا التعسة. فالعائلة تكبت الحرية الفكرية للطفل, والمدرسة تكبت الحرية الفكرية للتلميذ, والزوج ضد زوجته, والرئيس ضد المرؤوس. سلسلة مشؤومة من الكبت والقهر, فكيف لنا أن لا نتعجب من انتفاء وجود الحرية الحقيقية في ضمائرنا, وفي ممارستنا الحياتية اليومية?
تاريخنا كما هو تاريخ الغرب في ظل الكنيسة, تاريخ يعدم المفكر معنويا أو ماديا بالسجن أو الغرامات الباهظة, أو النفي أو القتل, لكن تاريخ الغرب صفحة وانطوت بعد أن تمكنت شعوبها من خلال جهد بالنفس والفكر ولمدة ثلاثمئة عام, من القضاء على الفكر الكنسي وترسيخ الحرية القائمة على العقل. ولهذا يعتمد العالم اليوم على العقل الغربي وإبداعاته. ولأننا مجتمعات نستجدي الحرية, ولا نقاوم من أجل نيلها, فلا يمكن أن نحصل عليها, ولهذا نظل دائماً تحت رحمة ماما الحكومة, إن شاءت أعطت وإن شاءت منعت. ولأننا شعوب لا تؤمن بالحرية الفكرية على وجه الحقيقة, نراها لا تهتم كثيراً إذا لم تسكن الحرية نفوس أبنائها, وكم سمعت من بعض الأهل والاصدقاء ما يقلل من قيمة الحرية لمجرد علمهم بما تجره ممارسة هذه الحرية من مشكلات لدى النيابة أو الأحكام القضائية, بدلا من أن يقاوموا. فلا عجب إذن أن يعيش المواطن العربي حياته »تحت الساس« أي في الظل, ولا يريد من الدنيا سوى الأمن والأكل والشرب, وبما تمنه الحكومة عليه من نعم, فعرفت أن هناك شعوبا تستحق الحرية, وشعوباً أخرى لا تستحق ذلك.
يجب أن يعلم الجميع, أن الحرية هي معادل الحياة بكرامة, ومن لا حرية له, لا كرامة له, وان ما يعتقده حين يمارس بعض الحريات المادية من تنقل وحركة, ليس سوى حرية ينعم بها الجميع, حتى الحيوان من الماعز التي تنطلق »بحرية« في الصحراء تأكل سقط الأعشاب والأوراق المتناثرة ثم بعد ذلك تدر حليباً وصوفا لصاحبها. والإنسان أكرم عند الله من أن يكون بهذا المستوى المتدني في الحياة. الإنسان, لا يكون حراً على وجه الحقيقة, إلا اذا مارس حرية الفكر, على مختلف أشكالها من حرية التعبير والعقيدة والرأي, ومن دون هذه الممارسة الحقة, فإنه يفقد إنسانيته بل ولا يستحق الحياة. ذلك أن توفر هذه الحرية الفكرية هو الذي يقود إلى الإبداع, وانظر الى الغرب كيف يقود العالم بإبداعاته المتعددة يوميا. ولكن ما هو السر في وجود الحرية في الغرب وانعدامها في الشرق? السر يكمن في أن حياتهم بعيدة كل البعد عن الفكر الديني, الذي هو أساس مصائب الحياة. نعم, الفكر الديني, قاتل للحرية, ومن ثم هو قاتل للإبداع. وأمامكم العالم العربي فيه الكثير من الأمثلة, وكيف لعالم يبلغ تعداده أكثر من مئتي مليون نسمة, لا يتعدى ما ينشر من الكتب الأربعة آلاف سنوياً .. خزي وأي خزي. ولكن العالم العربي لا يشكو من قلة المثقفين عدديا, بل يشكو من كثرة الخائفين من سيف السلطة الذي تمسكه الجماعات الدينية وتلوح به في وجوه المثقفين فترهبهم وتمنعهم من الإبداع, فيهاجر منهم من يهاجر لكي يبدع في الخارج, ويمارس من يبقى منهم حياة الموت البطيء. وسيظل العرب عالة على الآخرين حتى يؤمنوا بالحرية الفكرية. ولكن هيهات أن يحدث ذلك, وهم يركضون وراء رجل الدين للبحث عن فتوى وتفسير حلم وشرعية مفتقدة لأوهام.
الحرية الفكرية إما أن تكون مطلقة أو لا تكون. وفي ظل عصر الانترنت أصبحت الحرية مطلقة حيث يتمكن المثقف من نشر ما يريد من أفكار دون رقابة أو تهديد. فشكراً للغرب الف شكر, هذا الغرب الذي عرفنا على الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة والدستور, وعلمنا المدنية والتحضر, ولا يزال يعملنا, وفوق هذا كله, يقدم لنا الآن يده لمساعدتنا على ممارسة حرياتنا.

\ ما تدعي جمعية الصحافيين إنجازه بعد مقابلتهم النائب العام ليس سوى قشور, وليس هو ما تم الاتفاق عليه. بل كان الموضوع حول الطلب من النائب العام منع من هو غير ذي الصفة التقدم ببلاغاتهم ضد الكتاب في قضايا الرأي. ومن الواضح أنهم قد فشلوا في ذلك.